لطيفة النوفلية
في كل عام، يحلّ السابع عشر من أكتوبر، فتتجه الأنظار إلى المرأة العُمانية، احتفاءً بحضورها واستذكارًا لإسهاماتها في مسيرة الوطن. غير أنّ السؤال الأجدر بالتأمل ليس ما الذي نقوله في يوم المرأة العُمانية، ولكن ما الذي نراه حين ننظر إلى تجربتها بعيدًا عن أضواء المناسبات والخطاب الاحتفائي المعتاد؟
فالمرأة ليست مناسبةً عابرة في روزنامة الوطن، ولا صورةً تُستحضر في المحافل، ولا كلماتٍ تنقضي بانقضاء يومها؛ إنّها نسيج أصيل من الحكاية العُمانية، وحضورٌ متجذّر في تفاصيل الحياة، في بيتٍ ترعاه، ومؤسسةٍ تسهم في نهضتها، وفكرةٍ تشقّ بها طريقًا جديدًا، وطموحٍ تمضي نحوه بإيمانٍ لا تثنيه وعورة الطريق.
ومن أدوارها الراسخة في الأسرة والمجتمع، إلى حضورها في ميادين التعليم والعمل والإدارة والاقتصاد والثقافة والإعلام، تبلورت تجربة المرأة العُمانية عبر مسيرةٍ من السعي والمعرفة وتراكم الخبرات. ولم يكن الإنجاز في هذه المسيرة مرهونًا ببلوغ موقعٍ جديد فحسب، ولكن بما يترتب عليه من أثر، وما يفتحه من آفاقٍ أمام الأجيال اللاحقة، لتصبح الفرص أكثر اتساعًا، ومساحات العطاء أكثر رحابة.
غير أنّ الإنصاف يقتضي ألّا يُختزل الاحتفاء بالمرأة في استعراض منجزاتها أو تعداد المناصب التي بلغتها؛ فالأرقام تقيس جانبًا من الحضور، لكنها لا تستوعب الحكاية في تمامها، ولا تكشف دائمًا عن التجارب الإنسانية الكامنة خلف الإنجاز.
فهناك حكايات لا تتصدر العناوين، وإن كانت جديرةً بأن تُروى: امرأةٌ تؤسس مشروعها بإمكانات محدودة، وأخرى تستأنف المسير بعد عثرة، وشابةٌ تطرق أبواب الفرص بإصرار، مؤمنةً بأن ما تحمله من معرفةٍ وكفاءة يستحق أن يجد طريقه إلى الواقع. وفي هذه التفاصيل تتجلى أبعادٌ من تجربة المرأة لا تنصفها لغة الأرقام وحدها.
إنّ التقدم لا يُقاس بما أُنجز فحسب، بل بما استُحدث من فرص، وما تراجع من عوائق، وما أضحى متاحًا أمام المرأة لتختار مسارها وتطوّر قدراتها وتشارك في صناعة مستقبلها. ومن هنا، فإنّ تمكين المرأة لا ينبغي أن يُختزل في الإشادة بقدرتها على تحمّل المسؤوليات، بل يتجلى في تهيئة بيئةٍ تصون حقها في الاختيار، وتكفل لها فرص النمو، وتجعل الكفاءة معيارًا للتقدير والاستحقاق.
كما أنّ المرأة العُمانية ليست تجربةً واحدة، ولا قالبًا تتشابه فيه مسارات النجاح. فلكل امرأة تعريفها الخاص للإنجاز؛ قد يكون في قيادة مؤسسة، أو تأسيس مشروع، أو نقل المعرفة إلى الأجيال، أو رعاية أسرة، أو كتابة نصٍّ يوقظ الوعي ويترك أثرًا في الذاكرة. فالأثر لا يُقاس دائمًا بعلوّ الصوت، ولا تُختزل قيمته في مقدار ما يحظى به من ظهور.
ولأنّ الأوطان لا تنهض بجهدٍ منفرد، فإنّ مسؤولية دعم المرأة ليست شأنًا يخصّها وحدها، ولكنها مسؤوليةٌ مشتركة بين الأسرة والمؤسسات والمجتمع. فحين تُتاح الفرص العادلة، وتُستثمر الطاقات، ويجد الطموح بيئةً تحتضنه، يصبح المجتمع أكثر قدرةً على التطور، وتغدو التنمية أرسخ أثرًا واستدامة.
وفي يوم المرأة العُمانية، لسنا بحاجةٍ إلى إحاطة المرأة بهالةٍ من المثالية، أو رسم صورةٍ لا تشبه تعقيدات الحياة؛ يكفي أن ننظر إليها بإنصاف، إنسانةً لها طموحاتها وقدراتها وتحدياتها، وحقها في التعلم والعمل والاختيار والتطور، وأن تجد التقدير الذي تستحقه في هذا اليوم وفي سائر أيام العام.
فالاحتفاء الأصدق بالمرأة لا يتحقق بكثرة ما يُقال عنها، يتحقق بمقدار ما يُتاح لها من فرص، وبحضورها الفاعل في صناعة القرار، وبما تحظى به كفاءتها من ثقة وتقدير.
وعندئذٍ، لن يكون السابع عشر من أكتوبر مجرّد تاريخٍ يتجدد في التقويم، سيصبح حينها تذكيرًا بأن المرأة العُمانية ليست حكايةً تُروى في يومٍ ثم تُطوى، وإنما مسيرةٌ تتجدد فصولها كلما تحوّل الطموح إلى عمل، والمعرفة إلى أثر، والإمكان إلى إنجاز. فالأوطان التي تُحسن تقدير طاقات أبنائها وبناتها، وتفتح أمامهم آفاق المشاركة والبناء، إنما تُحسن الاستثمار في مستقبلها.
