ليست كلُّ النهايات انطفاءً؛ فبعضها يشبه إسدالَ الستار على سمفونية عظيمة، بعد أن ينهض الجمهور احتراماً لعازفٍ ظلَّ سبعةَ عشر عاماً يضبط إيقاع القلب العُماني من خلف خط المرمى. هكذا يجيء إعلان فايز الرشيدي اعتزالَه اللعب الدولي؛ حدثاً يطرق باب الذاكرة أكثر مما يمرّ على شريط الأخبار، ورايةَ عطاءٍ تُسلَّم إلى ذاكرة الوطن موشّاةً بمسك الملاعب ونبض الانتماء.
فلم يكن فايز الرشيدي” السوبرمان ” كما أحبته الجماهير، مجرّد حارسٍ بين قائمين وعارضة؛ بل كان حارسَ لحظةٍ، وحلمٍ، ووطن. كأن مهمته أن يُبقي ما ينساه الناس حياً في الذاكرة؛ فالأهداف قد تمرّ سريعاً من ذاكرة الناس، لكن التصديات الكبرى تبقى مفاتيحَ للتاريخ، وقد امتلك فايز منها ما جعله حاضراً في الوجدان العُماني؛ رجلاً حمل قميص المنتخب بما يليق باللون الأحمر حين يتجاوز معناه لونَ القميص إلى مقام الشرف وصدق الانتماء.
وعلى امتداد سبعةَ عشر عاماً، تشكّلت سيرته من الصبر قبل الشهرة، والعمل قبل الأضواء، والانضباط قبل التصفيق. فقد عاصر أجيالاً وتحولات، وكان حاضراً في محطات مفصلية: من التتويج التاريخي بخليجي ٢٣ في الكويت، إلى المساهمة في وصول المنتخب العُماني إلى دور الستة عشر في كأس آسيا ٢٠١٩ للمرة الأولى. ومن هنا، فإن اعتزاله الدولي ليس خروجاً من صفوف اللاعبين، بل ارتقاءٌ إلى مقام الرموز.
غير أن الذاكرة، حين تُنادى باسم فايز الرشيدي، تذهب أولاً إلى تلك الليلة الكويتية الخالدة: نهائي خليجي ٢٣ أمام الإمارات. كان منتخب السلطنة، آخرَ سلطنةٍ بروقانه الكروي، يقدّم لوحةً كروية فاتنة؛ سيطرةً واتزاناً وشجاعةً، وانتشاراً كأنه عزفٌ جماعي. لم يكن يلعب كرة قدم فحسب، بل كان يكتب حضوراً عمانياً بهياً على العشب.
وفي الدقيقة الأخيرة، حين تضيق المسافة بين الكأس والدمعة، احتسب الحكم الكويتي علي محمود ركلةَ جزاءٍ أثارت الجدل، فحملت الجماهير العُمانية قلوبها على أكفّها، تقدّم عمر عبدالرحمن ” عموري “، وهناك، عند خط المرمى، لم يكن فايز وحيداً؛ كانت خلفه سلطنة عُمان كلّها، وكان فائز قد ذاكر الدرس جيداً وحفظه عن ظهر قلب. سدّد عموري، لكن السوبرمان امتدّ بثبات النخلة، وببصيرة حارسٍ يقرأ ما لا يراه الآخرون. تصدّى للكرة؛ فأعاد الحياة إلى الأحمر، وأبقى الحلم قائماً، وحوّل الخوف إلى يقين، والترقّب إلى إيمان.
ثم مضت المباراة إلى ركلات الترجيح؛ حيث تتحول كرة القدم إلى امتحانٍ للروح قبل القدم. سجّل المنتخبان الركلات الأربع الأولى، وبلغت اللحظة ذورتها مع الركلة الخامسة للامارات. عاد عموري، وفي رأسه حلم إهداء الكأس لبلاده في ” عام زايد “، غير أن فايزاً كان قد دخل منطقة الأسطورة: تماسك، وتمركز، وقرأ، ثم طار كما يليق بلقبه؛ السوبرمان؛ فمنع الركلة الحاسمة، وفتح الباب لمحسن جوهر كي يمنح منتخبنا العُماني اللقب.
لكن إنصاف فايز لا يكتمل باستحضار تلك الليلة وحدها؛ فالرجل أكبر من تصدية، وأوسع من مباراة؛ إذ تكشف مسيرته حارسٍ بنى حضوره بالتدرّج والاجتهاد، واحتفظ بصورة اللاعب الهادئ المنضبط، الذي لا يرفع صوته إلا أداؤه. ولا يفرض حضوره إلا بما يمنحه لزملائه ثقةٍ نادرة؛ لأن الحارس الكبير لا يصدّ الكرات فقط، بل يبعث الطمأنينة في الفريق كلّه.
ولعل أجمل ما فيه أن نجوميته لم تُخرجه من بساطة الرياضي النبيل؛ إذ ظلّ قريباً من الناس، وفياً لقميص المنتخب، كريماً في احترام المنافس، متزناً في الفرح والخسارة، مدركاً أن الرياضة أخلاقٌ قبل أن تكون نتائج؛ ولذلك صنع فايز حضوره بالصمت المنتج، والعمل، والاستقامة.
إن تأثير السوبرمان في كرة القدم العُمانية يتجاوز المستطيل الأخضر؛ فهو نموذجٌ جمع بين الموهبة والصلابة، والانتماء والاحتراف، والهدوء والشجاعة؛ لذلك سيبقى اسمه حاضراً في أجيالٍ تتعلّم أن طريق المجد لا يمرّ دائما عبر الهدافين، بل أحياناً عبر حارسٍ يكون أولَ من يحمل الوطن حين تهتز اللحظة.
اليوم، وهو يعلن اعتزالَه اللعب الدولي، لا نقول وداعاً لفايز الرشيدي؛ فالوداع يقال لمن يغادر الذاكرة، وفايزٌ باقٍ فيها؛ لذلك شكراً لمن حرس الحلم سبعةَ عشر عاماً، وجعل القفار قصيدةً، والمرمى حصناً، واللحظة بطولة. ومع هذا ستغادر يا فايز عرين المنتخب لاعباً، لكنك ستبقى في تاريخ سلطنة عُمان الرياضي حارساً للمجد؛ حيث تصدّى السوبرمان مرتين للكرة، ومرةً أكبر للنسيان.
سعيد العطار

