يبدأ يوم الأحد ٣٠ أغسطس البرنامجُ التعريفيُّ للمعلمين المستجدين للعام الدراسي الجديد، فاتحةً لمسيرةٍ مهنيَّةٍ تُبصرهم بأمانة التعليم ومتطلباته، وتعينهم على دخول مدارسهم بوعيٍ راسخ وعزمٍ صادق، وببصيرةٍ تستشرف أثر المعلم في الإنسان والوطن. وليست هذه البدايةُ انتقالاً إلى موقع العمل فحسب، بل عبوراً إلى رسالةٍ تتجاوز الوظيفة إلى بناء العقول وصياغة الوجدان.
ذلك أنَّ المعلم، في جوهر رسالته، ليس موظفاً يحصي ساعات الدوام، ولا ناقلاً لمعارف تقف عند كتابٍ أو اختبار؛ بل صاحبُ رسالةٍ تتَّجه إلى الإنسان قبل المعلومة، وإلى الوجدان قبل الذاكرة، وإلى الضمير قبل المقرَّر. فالتعليم الحقُّ نورٌ يكشف للعقل المعنى، ويوقظ في القلب القيمة؛ ومن هنا يصبح الصفُّ حقلاً لصناعة المستقبل، ويقف المعلم أميناً على عقولٍ ناشئة وقلوبٍ تتشكَّل.
وعلى ضوء هذه الرسالة، يتَّسع الفارق بين مَن يمارس التعليمَ وظيفةً، ومَن ينهض به عهداً؛ فالأول يؤدي المطلوب لينتهي منه، أمَّا الثاني فيؤديه ليبدأ به أثرٌ لا ينتهي. وصاحبُ الرسالة يجعل أخلاقياتِ المهنة ميزاناً للفعل، وسياجاً يصون كرامةَ المتعلم وهيبةَ المدرسة. لذلك تغدو البداية حاسمةً للمعلم المستجد؛ إذ تؤسس عاداتِه المهنيَّة، وتُشكل نظرته إلى الطالب والمنهج والمجمتع لأعوامٍ طويلة.
ومن أجل بدايةٍ تليق بهذا العهد، كان حَرِياًّ بالمعلم أن يدخل المدرسة بعقل المتعلم وبشغف الباحث، لا بوهم مَن يرى في الشهادة خاتمةَ التأهيل. فهي تفتح بابَ المهنة، أمَّا التعلُّم المستمرُّ فيُهيئه لأعبائها. وبرامجُ التهيئة جسورٌ تعبر به من المعرفة النظريَّة إلى بصيرة الممارسة؛ فيتعلَّم التخطيط وإدارةَ الصف وتنويعَ طرائقه وتقويمَ طلابه بإنصاف، ثم يراجع تجربته، مستبقياً الصواب ومستدركاً القصور.
وحين يعبر المعلم إلى حقل الممارسة، يجد المدرسةَ كتاباً مفتوحاً يُقرَأ بالملاحظة والمعايشة وحسن الإصغاء؛ ففي خبرات الإدارة والمعلمين الأوائل والمشرفين دقائقُ لا تمنحها المراجع: حكمةُ الموقف، وحُسنُ احتواء الصف، ولطفُ التواصل مع الأسرة. وليس السؤالُ نقصاً في قدره، ولا قبولُ التوجيه انتقاصاً من مكانته؛ لذلك يسأل ويلاحظ ويجرب، ويجعل من كل خبرةٍ لبنةً في نضجه المهني.
غير أنَّ قراءةَ كتاب المدرسة لا تكتمل من دون فقه القلوب؛ فلا تنفتح العقولُ لمَن يهمل الوجدان. لذا يبني المعلم مناخاً من الأمان والاحترام؛ فالكلمةُ الطيبة توقظ الثقة، والإنصاتُ يصون إنسانيَّة الطالب، والعدلُ أساسُ العلاقة التربوية. والمعلم المؤثر لا يستمدُّ هيبته من قسوة صوته، بل من عدله واتزان حضوره؛ يضبط من غير إذلال، ويصحح من غير تجريح، ويطلب الإتقان من غير أن يطفئ جَذوةَ المحاولة.
ومن احترام الوجدان تبدأ القدوة؛ إذ لا يكتمل التعلُّم المهنيُّ بما يعرفه المعلم، بل بما يجسده في سلوكه، فالقدوةُ درسٌ صامتٌ أبقى من الكلام. فإذا دعا إلى الصدق كان الصدقُ سِمَتَه، وإذا حثَّ على النظام بدأ بنفسه، وإذا طالب بالنزاهة مارسها في تقويمه. ومتى افترق القولُ عن الفعل انطفأ بريقُ الرسالة؛ أما إذا اتَّسقا، صار حضوره برهاناً حياً، وغدت سيرتُه منهجاً يقرؤه الطلبة من غير كتاب.
وحين تستقيم القدوة، تترسخ المهنيَّة؛ فلا تقوم على النوايا الحسنة وحدها، بل على وعيٍ بالقوانين واللوائح والحقوق والواجبات. فالمعرفةُ النظاميَّة تحفظ للمعلم اتزانه وللطالب حقَّه، وتظلُّ الأخلاقُ روحَ القانون: بها تكون الأمانةُ أداءً، والعدلُ ممارسةً، وحفظُ السِر وفاءً للثقة، والنزاهةُ صوناً لمستقبل الطالب. فالقانون يرسم الطريق، والأخلاق تمنح السائرَ فيه شرفَ الوجهة.
وبهذا الوعي المهني يواجه المعلم زمناً تتدفق فيه المعلومات؛ فلم يَعُد المعلم خزانةَ المعرفة، بل بوصلةً تهدي إلى حُسن الاختيار، وتميز الصحيح من الزائف، وتُنمي العقلَ الناقد. وهو مطالَبٌ بأن يزاوج بين أصالة القيم وآفاق التقنية؛ فيعلم طلبته سُبلَ بلوغ المعرفة وتوظيفها بمسؤوليَّة. وما أحوج مدارسَنا إلى معلمٍ يجمع حماسةَ البدايات وحكمةَ المسؤوليَّة؛ فلا يحضر التدريب ليضيف شهادةً، بل ليصنع أثراً؛ ولا يشرح الدرس لينتهي منه، بل ليوقظ في العقل سؤالاً، وفي النفس أملاً جديداً.
وهنا تتجلّى عظمةُ التعليم: أن يعمل سُقاةُ الغرس في يومهم، ويمتدَّ حصادُهم إلى غدٍ قد لا يشهدونه؛ وأن يغرسوا في قلبٍ صغير قيمةً، فتنهض بها أسرة، ويستقيم مجتمع، ويعلو وطن. فليحمل المعلم المستجدُّ رسالتَه بعلم المتقن، ورحمة المربي، وضمير الأمين؛ وليَصُن ميثاقَه، فالأمم لا تُبنى بجدران مدارسها فحسب، بل بما يسمو في نفوس معليمها. وحين يجتمع العلمُ بالخُلُق، والكفاءةُ بالرحمة، والحزمُ بالعدل، يصبح المعلمُ صانعَ إنسان، وحارسَ معنى، وشعلةً يمضي ضوؤها من جيلٍ إلى جيل.
سعيد العطار
