ليست اللحظات الكبرى في حياة المؤسسات تلك التي تعلو فيها المنصات، وتلمع فيها الأضواء؛ بل تلك التي ينهض فيها المعنى هادئاً جليلاً، ليقول: إن العطاء الصادق لا يخبو، وإن الوفاء إذا حضر في موعده صار للزمن ضميراً، وللمؤسسة قلباً يعرف كيف ينبض بأسماء الذين حملوا التعب في أيديهم، والنبل في صدورهم، ورسالة التعليم في أعلى مواضع وجدانهم. ومن هذا الأفق الإنساني، يأتي احتفاء تعليمية شمال الباطنة بتكريم القيادات المدرسية من مديري المدارس ومساعديهم المتقاعدين بنهاية العام الدراسي الحالي، ليجسّد معنى الوفاء في أبهى صوره، ويعلن أن الشكر، حين يصدر من ذاكرة عادلة، لا يكون ختام رحلة فحسب، بل افتتاحاً جديداً لحضور الأثر في الوجدان.
وعلى ضوء هذا المعنى، فإن التكريم، حين يكون نبيلاً في قصده، لا يقف عند حدود الدرع، ولا يكتفي بعبارة منقوشة؛ بل يتجاوز المعدن والعبارة إلى ترسيخ العلاقة بين الجهد والذاكرة، وبين التعب والامتنان، وبين السنين التي أفناها الإنسان في خدمة رسالة، واللحظة التي تعترف فيها الرسالة برجالها ونسائها، لذلك كان التكريم في حقول التعليم أرفع من مجاملة عابرة؛ لأنه يقول للمجتمع: إن الذين يصنعون العقول لا يجوز أن تمر خطاهم كما تمر الظلال على الجدران.
لقد عرف هؤلاء القادة أن المدرسة ليست حجراً مصفوفاً، ولا جدولاً مطبوعاً، ولا سجلاً يزدحم بالتواقيع؛ إنها كائن حي، إذا أُحسن الإصغاء إلى نبضه نما وازدهر، وإذا قاده أهل البصيرة صار حديقة للعقول ومرفأً للقلوب. لذلك كانوا في ممراتها أكثر من عابرين، وفي مكاتبها أكثر من موظفين؛ كانوا اليد التي ترتب الفوضي دون ضجيج، والعين التي ترى الخلل قبل أن يستحفل، والكلمة التي تربت على كتف معلم أرهقه اليوم الدراسي، والوقفة التي تعيد إلى طالب مضطرب شيئاً من اتزانه.
ومن كان حضوره بهذا العمق، فإن ترجُّلَه لا يكون غياباً كاملاً؛ فحين يترجل القائد المدرسي لا يغادر وحده، بل تبقى خلفه وصية غير مكتوبة: أن تكون المدرسة بيتاً للكرامة، وأن يكون التعليم طريقاً لبناء الإنسان لا سلّماً لعبور الأعوام، وأن يدرك قائدها أن القانون لا يكتمل أثره إذا خلا من روح الإنسان؛ فالقيادة ليست تعالياً على الزملاء، ولا احتماءً بارتفاع الكرسي، بل رقيٌّ في المعاملة، وخفض جناح، وعدلٌ في القرب والمسافة، وحرصٌ على أن يقف القائد من الجميع موقفاً واحداً لا يميل إلا للحق، حتى يشعر المعلم قبل الطالب أن كرامته مصونة، وصوته مسموع، وجهده منظور بعين الإنصاف.
ولأن الأثر لا يترجل، يصبح التكريم فعلا ذا حرارة إنسانية لا تخبو؛ فهو لا يرد العمر إلى صاحبه، ولا يعيد إلى الجباه عرق السنين، وقد صار في ذاكرة الوفاء مسكاً، لكنه يقول لها بلغة لا تحتاج إلى شرح: لقد رأيناك، رأينا سهر القرار، وقلق المسؤولية، ومشقة التوازن بين اللين والحزم، ورأينا كيف كنت تحمل المدرسة في داخلك قبل أن تحمل مفاتيحها في يدك.
وحين يُكتب الوفاء من الداخل، تدرك المؤسسات أن علوها لا يكون بالبنى وحدها، ولا كبرها باللوائح وحدها؛ إنما تعلو حين تتسع لأخلاقها، وتكبر حين تعرف كيف تشكر، وتخلد حين تصون ذاكرة من خدموها. والوفاء في التعليم ليس زينة خطابية، بل سياسة وجدانية رشيدة؛ لأنه يمنح من هم على رأس العمل رسالة عميقة: أن الجهود الصادقة لا تضيع، وأن الإخلاص لا يتلاشى، وأن كل يد غرست في تربة المدرسة زهرةً سيأتي يوم يراها الآخرون ظلاً ورائحةً وثمراً، وأن المدرسة لا تزهر بالتحصيل وحده، بل بإنجاز تعليمي شامل يوقظ العقل، ويهذب الوجدان، ويجعل من الأنشطة المدرسية غرساً آخر في بناء شخصية الطالب.
ومن أجل ذلك؛ فسلامٌ على قادة جعلوا العمل المدرسي يتوقد بروحه الإنسانية وأخلاقه الرفيعة، فحملوا المدرسة في قلوبهم قبل ملفاتهم، وعلّمونا أن القيادة لا تُقاس بارتفاع الكرسي، بل بانخفاض الجناح، ولا بحدة الصوت، بل بعمق الأثر، ولا بكثرة الأوامر، بل بقدرة القائد على أن يجعل من المدرسة بيتاً للكرامة والإنصاف. سلامٌ على من غادروا المنصب ولم تغادرهم الرسالة، وعلى من تركوا خلفهم مكاتب ساكنة وقلوباً عامرة، وأسماءً إذا ذُكرت فاحت منها رائحة العمر الشريف.
هكذا يليق بالوفاء أن يكون: لا ضجيجاً ينساه الناس بانتهاء الحفل، بل عطراً معتقاً يظل في الذاكرة، كلما تقادم ازداد فتنةً وصدقاً. وهكذا يليق بقادة التعليم أن يُذكروا: لا كأسماء عبرت كشف الخدمة، بل كمنارات أوقدت في الطريق ما يكفي من النور ليمضي القادمون بثقة. فمن بنى عقلاً لم يخرج من الزمن، ومن صاغ وجداناً لم يغادر الحياة، ومن جعل المدرسة أكثر إنسانية ترك في الوطن أثراً لا يشيخ، وترك لنا جميعاً واجب أن نقول بملء القلب: طوبى لمن أعطى حتى صار عطاؤه أوسع من عمره.
سعيد العطار


ماشاء الله شكراً