ليست المدن، ولا سيما مراكز المحافظات، شوارع تُشقّ ولا مباني ترتفع فحسب؛ إنما هي رؤيةٌ تمشي على الأرض، وذوقٌ يتحوّل إلى نظام، وشجرةٌ تصبح توقيعاً على هوية المكان. وفي ذاكرة النهضة العُمانية الحديثة، غدت صُحار مدينةً تأسر زائرَها بجمالُها الفتّان، توشّحت بثوبٍ أخضرَ قشيبٍ، فصار رونقاً لشخصيتها المتفردة، لا زينةً عابرةً على ملامحها.
وفي هذا السياق، تبدو مرحلة مكتب تطوير صُحار في زمن توهّجه الأول مثالاً ناصعاً على تحوّل الرؤية إلى عملٍ ميداني منظّم. فقد قادتها بروحٍ إبداعيةٍ،عينٌ هندسيةٌ لا تغفل التفاصيل، حتى غدا العمل البلدي مشروعَ مدينةٍ تُرسم قبل أن تُنفّذ؛ فكان المدخل رسالة، والدوار لوحة، والشارع مساراً للجمال، وحين تُحسن المدينة اختيار أشجاره وتناسق أزهاره، يتحول الشارع إلى رواقٍ أخضر يمنح العابر إحساساً بأن المدينة تعتني بعينه كما تعتني بخطوه؛ فالتشجير ليس ملءَ فراغٍ ولا غرسَ شتلاتٍ متفرقة، بل فنٌ عمراني وخطابٌ بصري، يتطلب ذائقةً خاصة في اختيار الأشجار، لتغدو لوحةً فنيةً بديعة.
ومن ثمار تلك الرؤية جاء فوز صُحار بالمركز الأول والدرع الذهبي في جائزة تجميل المدينة ضمن جوائز منظمة المدن العربية للدورة السادسة، المعلنة في الدوحة بتاريخ ٢٩ مارس ١٩٩٨م؛ لِيُسجلَ شهادةً على أن الجمال لا يولد من المصادفة، بل من قيادة تؤمن بالتفاصيل.
وانطلاقاً من ذلك التتويج العربي، استقطبت صُحار نخبةً من أبنائها المثقفين في ندوة ” صُحار في الألفية الثالثة ” بتاريخ ٢٠ يونيو ٢٠٠١م، لقراءة المنجزات واستشراف آفاق التطوير برؤية أكثر طموحاً، وأعمق أهدافاً. غير أن المراحل اللاحقة لمكتب تطوير صُحار لم تحتفظ بالوهج القيادي ذاته الذي أضاء المدينة وجنباتها؛ واستمر ذلك الوهج في الخفوت مع نقل التنمية إلى المحافظات، فلا يليق بصُحار تشجيرٌ غير مدروس؛ بل ينبغي أن يكون لكل شارع مزاجه النباتي، ولكل مدخل هويته البصرية، ولكل منتزه وحديقة روحها الخاصة.
ومن النادر أن يتجاور البحر بزرقته ونعومة رماله مع حديقةٍ غنّاء؛ فحديقة اليوبيل الفضي علامةٌ من علامات الذاكرة الجمالية للمدينة؛ تتوسطها بحيرةٌ اصطناعيةٌ ممتدةٌ من البحر، وتلتقي فيها الأشجار والمسطحات الخضراء والماء في لوحةٍ واحدة. وما نالها من آثار الزمن والأنواء يذكّر بأن الجمال إن لم تُسنده الصيانة يذبل سريعاً، والحديقة اليوم جديرةٌ بأن تستعيد قلادة يوبيلها الفضي، وتعود عيناً خضراء مفتوحة على صُحار، بوصفها أحد أهم المعالم السياحية في المدينة.
وفي الوقت الذي يمثل فيه ميناء صُحار ومنطقتها الصناعية إضافةً اقتصاديةً كبيرةً للمدينة؛ غير أن النشاط الصناعي وما قد يرافقه من آثارٍ بيئيةٍ ومناخيةٍ يجعل الإسهام في زيادة الرقعة الخضراء مسؤوليةً مجتمعيةً ذات أثرٍ مباشر. وتؤكد المؤشرات المناخية في سلطنة عُمان ارتفاعاً ملموساً في درجات الحرارة خلال العقود الأخيرة، بما يعزز الحاجة إلى توسيع الغطاء الأخضر بوصفه أداةً حضريةً للتكيّف والحد من آثار الحرارة؛ فالأشجار والمسطحات الخضراء ليست مظهراً تجميلياً فحسب، بل عنصرٌ بيئي يخفف الغبار والحرارة، ويحسن جودة المشهد الحضري، ويعيد شيئاً من التوازن البصري والبيئي للمكان الذي يحتضن التنمية.
إن صُحار التي كانت أنموذجاً عُمانياً في تجميل المدينة في عصر النهضة الحديثة، قادرةٌ في عصر النهضة المتجددة، على أن تعود أكثر بهاءً واستدامة؛ فهي ليست مدينةً عابرةً في الجغرافيا، بل مهدُ حكمِ الأسرة البوسعيدية، وهي اليوم قلبٌ نابضٌ للاقتصاد العماني، بما يحتضنه ميناؤها ومنطقتها الصناعية من استثماراتٍ تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني. غير أن استعادة هذا الألق تبدأ بخطة صُحار الخضراء؛ برؤيةٍ هندسيةٍ واضحة، ومخططاتٍ دقيقة، وبرامجَ تنفيذيةٍ محددة، وجداول زمنيةٍ معلنة، تقرأ المواقع والشوراع والمداخل والحدائق والمنتزهات، على أن يكون لكل فضاءٍ ما يليق به من أشجارٍ ومسطحاتٍ وتشكيلاتٍ جمالية، ويرتبط بمنظومة ريٍ ذكيةٍ وصيانةٍ مستدامة. ولا تكتمل هذه الرؤية إلا بحضور المجسمات النحتية في فضاءات المدينة، ولا سيما أن صُحار تحتضن مخيماً دولياً سنوياً للنحت، جديرةً بأن تُرى ثماره في مرافقها العامة.
وإذا كان البحر قد منح صُحار أفقها، والتاريخ مجدها، فإن الشجرة منحتها توقيعها الأجمل؛ توقيعاً ينبغي أن يعود إلى مداخلها وطرقها وحدائقها، عهداً عمرانياً يؤمن بأن اللون الأخضر مطلبٌ بيئي، وواجبٌ حضري، وأن الجمال مسؤولية، والإخلاص في العمل العام وفاءٌ للوطن. عندها تعود صُحار خضراء كما ينبغي لها: مدينةً تستلهم ماضيها لتكتب مستقبلها، وتنهض كل صباح أمام العين بهجةً للأنظار.
سعيد العطار

